السيد محمد الصدر

44

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وهذا لا ينافي ضخامتها المعنوية وأهميتها . فتكون متحملة للكثير كالوجود نفسه ، الذي قال الفلاسفة ببساطته ، وقالوا : إن اللّه صرف الوجود ، وهو في نفس الوقت لا نهائي العلم . سؤال : لما ذا خصّت البسملة بهذه الأسماء الحسنى دون غيرها ؟ « 1 » . وجوابه : قد تحصل مما سبق . وبحسب فهمي : فإن المتعين هو ذكرها دون غيرها . أما لفظ الجلالة ، فلأنه الإشارة الرئيسة للذات المقدسة تبارك وتعالى . فبسم اللّه أي باسم الذات . فلا بدّ من ذكر الذات أولا ثم التنزل إلى عالم الأسماء . وأما الرحمن : فلأن رحمته وسعت كل شيء ، فهو اسم واسع بسعة اللّه أي إنه أوسع الأسماء على الإطلاق . وكل اسم آخر فهو أكثر محدودية منه أو مثله . ولا يمكن أن يكون أوسع منه . فقد اختار اللّه سبحانه في البسملة بعد لفظ الجلالة أوسع الأسماء . مضافا إلى أنه تعبير عن الرحمة لا عن النقمة . ورحمته تقدمت على غضبه . وبعد هذين الاسمين العامين ، ذكر اسما محدودا ، وهو الرحيم ، لأنه لم يبق إلّا الأسماء المحدودة ، فالرحيم لا يشمل جميع الخلق بل يشمل المحسنين فقط كما قال سبحانه « 2 » : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . واختيار اسم الرحيم من الأسماء المحدودة ، لمزيتين : المزية الأولى : مزية الرحمة لأهميتها وتقدمها على الغضب ، بل على الخلق كله ، لأن الخلق كله بالرحمة . المزية الثانية : إنه أهم الأسماء في طريق التكامل ، فلا تكامل إلّا بالرحمة الخاصة .

--> ( 1 ) يعني لما ذا لم يقل : العليم السميع البصير ، مثلا . ( 2 ) الأعراف / 56 .